الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

397

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

لترجيح البعض بل يساوي تلك الأبعاض وغيرها من الظنون لوقوع الخلاف في الجميع قلت إن هناك درجتين لتسرية الحجية إلى الظنون أحدهما أن يحكم بحجية تلك الأبعاض الخاصة بعد العلم بحجية الظن في الجملة ودوران الحجية بين جميع تلك الأبعاض نظرا إلى انتفاء الترجيح بين تلك الأبعاض وعدم المناص عن العمل وثانيهما أن يتسرى إلى جميع الظنون منها ومن غيرها ومن البين أن العقل حين جهالته ودوران الأمر عنده بين الوجهين إنما يأخذ الأخص فإن المهملة إنما تكون كلية على قدر ما قام الدليل القاطع عليه دون ما يزيد عليه والحاصل أنه بعد قيام الاحتمالين المذكورين إذا لم يقم دليل خاص على شيء منهما كان قضية حكم العقل في شأن الجاهل بالحال هو الاقتصار على الأقل وعدم تسرية الحكم إلى ما عدا تلك الظنون أخذا بالمتيقن على التقدير المفروض وبتقرير آخر أوضح أن العقل بعد علمه بحجية الظن في الجملة والتزامه بالعمل بالظن المعين إذ لا يعقل العمل بالمبهم يتعين عليه الحكم بحجية المعين وحيث لم يقم عنده دليل خاص على تعيين ما هو الحجة من الظنون لا كلا ولا بعضا ودار العقل بين حجية البعض المعين أعني الظنون المفروض حجيته ووقع الخلاف بين العلماء في ذلك لم يجز له الحكم حينئذ بحجية ما يزيد على ذلك البعض فإن الضرورة الملجئة له إلى العمل يندفع به فلا داعي لضم غيره من الظنون إليه والحكم بحجية الكل من دون ضرورة قاضية به وعدم قيام دليل خاص على التعيين لا يقضي بتسرية الحكم للجميع به جرى انتفاء المرجح حينئذ لما عرفت من أن أخصيّة أحد الوجهين في مثل هذا المقام من أعظم المرجحات للحكم بالأخص ولا يجوز عند العقل حين جهله بالحال التعدي منه إلى غيره قطعا وهو ظاهر فإن قلت إن تم ما ذكر من البيان فإنما يتم لو لم يعارض الظن الخاص غيره من الظنون وأما مع المعارضة ورجحان الظن الآخر فلا يتم ذلك لدوران الأمر حينئذ بين الأخذ بأحد الظنين فيتوقف الرجحان على ثبوت المرجح بلا دليل ولا يجري فيه الأخذ بالأخص ولا اتفاق على الأخذ بالظن الخاص ليتم الوجه المذكور فيتساوى الجميع إذن في الحجية وقضية بطلان الترجيح بلا مرجح هو حجية الكل حسبما قرروه فلا بد حينئذ من الأخذ بالأقوى على ما يقتضيه قاعدة التعارض قلت لما لم يكن تلك الظنون حجة مع الخلو عن المعارض حسبما ذكر فمع وجوده لا تكون حجة بالأولى فلا يعقل إذن معارضته لما هو حجة عندنا فإن قلت إنا نقلب ذلك ونقول إذا حكم إذن بحجية الكل نظرا إلى بطلان الترجيح بلا مرجح ليتم القول بحجيته مع انتفاء المعارض بالأولى ويتعين الأخذ بذلك دون عكسه فإن قضية الدليل المذكور ثبوت الحجية في الصورة المفروضة بخلاف ما اقتضاه الوجه الآخر من رفع الحجية في الصورة الأخرى فإنه إنما يقال به من جهة الأصل وانتفاء الدليل على الحجية لعدم وفاء الدليل المذكور بإثباته فيكون إثباتها هنا حاكما على نفيها فيثبت الحجية إذن في جميع الظنون قلت يمكن أن يقال في دفعه بأن القائل بحجية الظن مطلقا لا يمنع من حجية الخبر مثلا إذا عارضة الشهرة وكانت أقوى غاية الأمر أنه يرجح جانب الشهرة حينئذ لقوة الظن في جهتها فهي حينئذ عنده أقوى الحجتين يتعين العمل بها عند المعارضة وترك الآخر لوجود المعارض الأقوى مانع من العمل بالحجة لا أنه يسقطها عن الحجية بالمرة وفرق بين انتفاء الحجية من أصلها وثبوتها وحصول مانع عن العمل بها لوجود المقتضي في الثاني إلا أنه مصادف لوجود المانع بخلاف الأول إذ لا حجيّة هناك حتى يلاحظ التعارض بينه وبين غيره إذا تقرر ذلك فنقول إنه على ما قررنا يكون بين القول بحجية الظنون الخاصة ومطلق الظن عموم مطلق كما هو أحد الوجهين المقدمتين في أول المسألة فكل ظن يقول بحجيته من يقول بحجية الظنون الخاصة يقول بحجيته القائل بحجية مطلق الظن إلا أن يقوم عنده دليل على خلافه دون العكس وبذلك يتم المطلوب إذ بعد تسليم حجية الخبر في الصورة المفروضة لا دليل على حجية الشهرة حتى يعارض بها تلك الحجة المسألة فضلا عن ترجيحها عليها فإن الحكم بالترجيح فرع الحجية فإذا كانت منتفية لعدم قيام الدليل عليها لم يعقل الترجيح ويتم ما قررناه فإن الفريقين متفقان حينئذ على حجية الخبر وجواز العمل به في نفسه لولا وجود المعارض الأقوى إلا أن القائل بحجية مطلق الظن يقول حينئذ بوجود المعارض فلا يجوز عنده العمل بالخبر من تلك الجهة وإنما يتم له تلك الدعوى على فرض إثباته وقد عرفت أنه لا دليل عليه حينئذ فيتعين العمل بالخبر هذا غاية ما يمكن تقريره في تصحيح هذا الوجه ولا يخلو عن تأمل السادس أنه قد دلت الأخبار القطعية والإجماع المعلوم من الشيعة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة بل ذلك مما اتفقت عليه الأمة وإن وقع هناك بين الخاصة والعامة في موضوع السنة وذلك مما لا ربط له بالمقام وحينئذ نقول إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرجوع إليهما في الغالب تعين الرجوع إليهما على الوجه المذكور حملا لما دل على الرجوع إليهما على ذلك وإن لم يحصل ذلك بحسب الغالب وكان هناك طريق في كيفية الرجوع إليهما تعين الأخذ به وكان بمنزلة الوجه الأول وإن انسد سبيل العلم به أيضا وكان هناك طريق ظني في كيفية الرجوع إليهما لزم الانتقال إليه والأخذ بمقتضاه وإن لم يفد الظن بالواقع تنزلا من العلم إلى الظن مع عدم المناص عن العمل وإلا لزم الأخذ بهما والرجوع إليهما على وجه يظن منهما بالحكم على أي وجه كان لما عرفت من وجوب الرجوع إليهما حينئذ فتنزل إلى الظن وحيث لا يظهر ترجيح لبعض الظنون المتعلقة بذلك يكون مطلق الظن المتعلق بهما حجة فيكون المتبع حينئذ هو الرجوع إليهما على وجه يحصل الظن منهما والحاصل أن هناك درجتين أحدهما الرجوع إليهما على وجه يعلم معه بأداء التكليف من أول الأمر إما لكون الرجوع إليهما مفيدا للعلم بالواقع أو لقيام دليل أولا وعلى الرجوع إليهما على وجه مخصوص سواء أفاد اليقين بالواقع أو الظن به أو لم يفد شيئا منهما ثانيهما الرجوع إليهما على وجه يظن معه بذلك وذلك بعد انسداد سبيل العلم إلى الأول مع العلم ببقاء التكليف المذكور فينزل في حكم العقل إلى الظن به فإن سلم انسداد سبيل الوجه الأول على وجه مكتفي به في استعلام الأحكام كما يدعيه القائل بحجية مطلق الظن فالمتبع في حكم العقل هو الوجه الثاني سواء حصل هناك ظن بالطريق أو الواقع وإن ترتب الوجهان حسبما مر من التفصيل وحينئذ فالوجه [ فالواجب ] الأخذ بمقتضى الظن المذكور بخصوصه في استنباط الأحكام من غير تعدية إلى سائر الظنون فإن قلت إنا نمنع وجوب الأخذ بالكتاب والسنة مطلقا ولو مع عدم إفادتها اليقين بالحكم ولم يقم عليه دليل قاطع وقيام الإجماع على وجوب الرجوع إليها من القائل بحجية مطلق الظن والظن المخصوص لا يفيد حجيتها بالخصوص إذ القائل بحجية مطلق الظن لا يقول بحجيته من حيث الخصوصية وإنما يقول به من جهة اندراجه تحت مطلق